الشيخ عبد الغني النابلسي
449
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم في خبث الثوم هي ، أي شجرة الثوم باعتبار ما يبقى من ساقها بعد أخذ ثمرته شجرة أكره ريحها « 1 » ، أي ما ينبعث عنها من الرائحة ، فهي خبيثة ، كالقول المنبعث عن المتكلم يطيب ويخبث ولم يقل صلى اللّه عليه وسلم أكرهها ، أي شجرة الثوم فالعين لا تكره لطيبها مطلقا لأنها منسوبة إلى من هي صادرة عنه ، وهو الحق تعالى ، وهو طيب فهي طيبة وإنما يكره ما ظهر عنها ، أي من العين من الأوصاف ، لأن ذلك منسوب إلى العين لصدوره عنها بالحكم الإلهي ونسبة السببية . والكراهة لذلك الظاهر من العين المذكورة إما عرفا ، أي بحسب العرف ، أي الاصطلاح كما لو اصطلح قوم على كراهة شيء أو أمر من الأمور بينهم أو بملاءمة طبع « 2 » لأمر فيكره ذلك الطبع مفارقة ما يلائمه أو ضد ما يلائمه أو ما يلائمه غرض ، أي حظ نفساني كذلك أو شرع ، أي بيان إلهي اقتضى ذلك أو نقص عن كمال مطلوب فإنه يقتضي الكراهة أيضا وما ثم بالفتح ، أي هناك من أوجه الكراهة غير ما ذكرناه في ذلك . ولما انقسم الأمر الإلهي وهو القول الحق والكلام المفصل باعتبار معناه المفهوم منه إلى خبيث لقبح دلالته ونسبته وطيب لحسن دلالته ونسبته كما قررناه قريبا حبب إليه صلى اللّه عليه وسلم الطيب من كل شيء دون الخبيث من ذلك ووصف صلى اللّه عليه وسلم الملائكة عليهم السلام بأنها ، أي الملائكة تتأذى ، أي تتضرر لطيب نشأتها النورانية بالروائح الخبيثة مثل تضرر الضد بضده ثم لما في هذه النشأة ، أي الخلقة الإنسانية العنصرية من التعفين ، أي تغيير خلقة العناصر بمزجها فإنه ، أي صاحب هذه النشأة وهو الإنسان مخلوق كما قال تعالى : وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ [ الحجر : 26 ] طين أسود متغير الريح ، أي الرائحة فتكرهه ، أي هذا الإنسان باعتبار خلقته الملائكة عليهم السلام بالذات ، أي بمقتضى ذاتها وذاته هو أيضا ، وإن أحبته بسبب ما اتصف به من الإيمان والانقياد لأمر اللّه تعالى وطاعته وما اتصف هو به أيضا من ذلك ، فإن خلقته الذاتية تقتضي النفرة عن خلقته الذاتية وكراهتها . * * *
--> ( 1 ) رواه مسلم في صحيحه ، باب نهي من أكل ثوما . . ، حديث رقم ( 565 ) [ 1 / 395 ] ورواه البيهقي في سننه الكبرى ، باب الدليل على أن أكل ذلك غير حرام ، حديث رقم ( 4839 ) [ 3 / 77 ] ورواه غيرهما . ( 2 ) وفي نسخة [ أو بعدم ملاءمة طبع ] .